ثلاث دقات

عام يمضي وآخر يتبعه. وأنت تكبر فيّ، في منافي الروح وتؤنسها. سنة تهرب، وأخرى تستنجد بي
هنا مازلت، لم أتحرك من ألمي إلا بمسافة عُمر.
لا شيء تغير سوى أن بعضك ما يزال هنا، وبعضك الآخر سُرِق مني إلى الأبد ولا أملك حياله إلا الدعاء والاشتياق والحنين. أدرك الآن في عيدك الثالث بعد رحيلك، كم كبرت حقًا وهرمت منذ فارقتنا بابا. كأن كل ما عشته قبل وداعك كان غشاوة عذبة من حلاوة وجودك بيننا، انقشعت دون أدنى إنذار لتلفظني الحياة من بعدك وأتخبط مع كل ما حولي. الآن حين أتوقف لألتقط أنفاسي اللاهثة، أعلم تمامًا كم تغيرت. و لا بأس في ذلك. لم أعد أقسو على نفسي كثيرًا، تركت ذلك للأيام وصفعات الحياة التي تقوم بذلك على أكمل وجه. لم أعد أغضب بابا (أعلم أن هذا صعب التصديق) ولكنها حقيقة. لا شيء يدفعني لذلك لا شيء على الاطلاق يستفزني لدرجة الغضب… لا أعترف بذلك خشية أن أتسبب بالاساءة لاسم العائلة، لأن “مرعبي” لا يغضب لا وجود له، ولكن هذا سيكون سرنا بابا… لا تقلق.
غيابك أفقدني الكثير من الدوافع، الكثير من المتع، الكثير من الأمنيات… كلها هبطت من سلم أولوياتي وتبقى أنت يا أبي أعظم خساراتي، وأجملها.. جرحي الذي لن يندمل، ندبة قلبي التي ألبسها بأناقة وفخر لا ينضب. أضحك عاليًا، نعم. أفعل ذلك بإصرار لأخفي انكساري وضعفي وقلة حيلتي. تنجح استراتيجيتي دائمًا، فأنا أتقن ذلك. وحدها الأحداق تفضح، وقد أصبح الجميع أميّون عند قراءة العيون…
هل تعلم بأن هناك مدينة في قبرص التركية اسمها مستوحى من اسمك؟ Gazimagüsa. عشقتها بكل تفاصيلها لهذا السبب تحديداً. “قبرص سيدي” كانت وجهتنا الصيف الماضي للاحتفال بتخرج آخر العنقود وحيازته على الماجستير. الإهداء الذي زيّن الرسالة كان لك بابا، نص يقطر منه الشوق بعد الانفصال القسري… كنت لترفع رأسك عالياً بعبودة كما اعتدت ولكنت ازددت فخرًا به وهو يتابع دراسته الآن ليحصل على درجة الدكتوراه.
اجتمعنا بعد عودتنا من قبرص، وتمّ لم شمل عائلة غازي أبو عبدالله مع إضافة رائعة: “يوسف”. هذا الطفل الملائكي الذي ملأ البيت ضحكات وقهقهات هزت أرجاءه! كنت ستعشقه حتماً. حاولنا قدر الامكان أن نصنع ذكريات معًا، حبسناه بكثير من الصور وأغلقنا عليه الإحكام في قلوبنا.. الصيف القادم سنذهب الى الجزائر مجددًا إن شاءالله لاستقبال المولود الثاني (لا نعلم حتى اللحظة أبنت أم صبي) ولكن هذه المرة في بيت نور الجديد. عن نفسي سأجنّ لأزرع القبلات على خد يوسف غرامي ومهجة قلبي. بالتأكيد سنحب “الرقم اثنين” ولكن أشكّ بأن أحدًا سيغير مكانة يوسف في قلبي!
عبودة حبيبي أتى قبل نهاية العام الماضي ليجري العديد من التحاليل. مرض مرضًا شديدًا ودخل المستشفى لمدة 10 أيام، لا أحاول أن أخيفك عليه، فالحمد لله كل شيء على ما يرام الآن. أردت فقط أن أذكر كرم ربّي علينا وخروجه سالمًا معافى.
أراك تنتظر سماع أخبار جديدة عن السياقة؟ لقد أصبحت أجيدها بابا. كله تحسّن مع السيارة الجديدة وملاحظات نانا الدائمة قربي. كم كنت أتمنى لو أنك أنت الذي يقودها.. أنا أصنع ذكريات جديدة معها إذ لا تاريخ يربطها بك. فتلك التي كانت بدايتي معها، التي كنت تقودها أنت تخلت عني وخذلتني فقط لكبر عمرها وليس لأي سبب آخر…
أنا ونانا وفرح بدأنا تغييرًا في نظامنا الصحي و كان الهدف أولاً عرس رشيد ابن خالتي. ثم ما لبث هذا الأمر أن استمر فأصبح نمط حياة. النتائج رائعة الحمدلله. نانا لم تعد تستعمل الانسولين، و تحسن وضع السكري كثيرًا. 13 كيلو خسرنا، نحن التريو، والحمدلله لم نضجر بعد! نور عرب حامل أيضاً، قد تلد هي و نور أختي في نفس الوقت والله اعلم. نسيت أن أخبرك أيضاً أن سوسو بنت عزام حامل بعد عشر سنوات زواج. سبحان ربي ما اكرمه.
هل يصلك دعائي بابا؟ هل تسمعه؟ يعندما يحتل السواد قيامة الحنين، لا أجد غير كلماتك التي تقودني نحو مزارع الشمس. أستحضر طيف ابتسامتك فأطمئن. أدرك يقيناً بأنه طالما أمكنني ذلك، فإن الأمور ستكون بخير وكل شيء على ما يرام. كل عام والقلب لا يميل إلا ناحيتك، وكل عام وأنا أرى العيد من خلال عينيك. وأحبّك.
Screenshot_2016-02-19-23-12-06-01

ميمي.

Advertisements

About Ymn

انا المرأة الزوبعة فقل للنخيل يطأطئ حتى أمرّ
This entry was posted in Love, People, Personal, بالعربي. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s