الرسالة الأولى: في عيدك بابا

أكتب اليك بالعربية لأنها الأحب اليك حتماً. شغفك الذي غرسته في نفوسنا دون أن تعي ذلك حقاً. قررت أن أجعل يوم ميلادك محطة سنوية لأكتب لك، اخبرك فيها عن أحوالنا. ثمانية أشهر قد مضت على رحيلك عنا ولا تزال غصة الفراق تخنق آهات خرساء أكتمها في قلبي الأجوف بعناية لئلا تفضحني مشاعري، فينهار كل ما حولي.

كلما اتذكر بأنك تنبأت بموعد موتك أضطرب. “سأموت بعمر ال 64، مثل الرسول… أعمار أمتي بين الستين والسبعين يا أبي… ما بقي من العمر قد ما مضى”. لم تكمل ال 64 بابا، عيدك في الجنة أكيد أحلى.

كم كنت أحب أن تراني وأنا أتقدم لامتحان السواقة، كنت ستكون فخورا بي كما هي العادة… وأنا في الامتحان ظننتني أراك مع اللجنة الفاحصة ترقب من بعيد متوترا أكثر مني، تتصبب عرقا، تنتظر بشوق انتهاء الامتحان لتفرح بي… “أخيراً مميتو! ااااه لك ايه هيك ها”…
لا زلت بحاجة لبعض التمرين، لم أقد في الطريق سوى بضع مرات وأحتاج بضعا أخرى لأتمكن من القيادة بشكل جيد…

-“شايف البحر الأزرق؟  وراه الجبل الأخضر؟ شوفي هناك؟ قبرص سيدي… قبرص” هل تتذكر هذا الحوار في مسلسلك المفضل؟ حسنا، كنا حتماً سنردده معا كلما ذكرنا الحبيب عبودة وهو يتابع دراسته في قبرص التركية. آه لو أخبرك عن بطولاته مع رفاقه،  يذكرني بك وبصداقاتك في اسبانيا، فمنزله مقر للجنسيات العربية كلها. ننتظر بشوق تخرجه. صغيرنا كبر بابا…

– أما “الست فنصة” نور، فتضع جنينها بعد عدة أشهر. كانت ستسميه “يحيى”، وتذكر اقتباسك للآية الكريمة” يا يحيى خذ الكتاب بقوة” ولكنها عدلت عن ذلك لكون الاسم لا يلفظ بنفس الطريقة في الجزائر. تعجبني فكرة أن أكون خالة، وأتوق لرؤية الصغير “يوسف”، حفيدك. سأخبره عن جده الذي حلم برؤيته، سأغني له أغنياتك “محبوبتي بالسما” كما كنت ستفعل وأعطيه سبحتك ليلعب بها…

– ست الكل “نانا” كانت مريضة في المستشفى وخرجت منذ يومين. لم يبق في منزلنا سواها وأنا وفرح، نقوي أنفسننا ببعض ولأجل بعض. تجتهد في اخفاء دموعها التي نراها ونتسارع أنا وفرح لتجفيفها واضحاكها، عظيمة هي نانا يا غزغوز. قد أفرغ الله على قلبها صبراً وسكينة بعد فراقك، ايمانها كبير بالله وهذا ما يجعلها متماسكة نوعاً ما. سنعود للمستشفى قريباً، قلبها الكبير تضيقت شرايينه من ثقل الحياة…

– أبدأ الجملة، وتكملها فرح. نقتبسك، نردد كلماتك وعباراتك على مدار الوقت. قررنا أن نحفظ سورة “طه” للمشاركة في المسابقة القرآنية هذا العام، وفرح طبعاً تسبقني كما هي العادة في الحفظ، تبطئ قليلاً لأجلي، تعلم كم تهمها مشاعري بابا. شريكتي في كل خطوة.

هذه حالنا من بعدك بابا. الحياة تستمر ولكن بدونك لا نكهة أو طعم لها. كلما هممت بعمل ما، أستحضر كلماتك التي تهز كياني ” أنا ما عملت شي بحياتي، انتو انجازي. انتو مشروعي الناجح”. كلما أنجزت شيئاً،  أتخيل أنني أرى الفخر في عينيك وابتسامة الرضا، فيطمئن قلبي…

خرجت من هذه الدنيا الفانية نظيفا طاهرا، لا لك ولا عليك. ذكر اسمك يفوح عطره ويعبق في المجالس. ستبقى دائماً فكرتي السعيدة بابا. لم أعد أكتب اسمي الا كاملا، ثلاثيا، لأمتع نظري باقتران اسمي بإسمك. ولا شيء يسعدني أكثر من كلمة “الله يرحم أبوك”…

هلا أتيتني في المنام أكثر بابا؟ قد بلغ الشوق منتهاه…
كل عام وانت حبيبي.

                                        ابنتك، بكرك
                                          ميمي

image

Advertisements

About Ymn

انا المرأة الزوبعة فقل للنخيل يطأطئ حتى أمرّ
This entry was posted in Birthday letter, Love, People, Personal, بالعربي and tagged , , , , . Bookmark the permalink.

2 Responses to الرسالة الأولى: في عيدك بابا

  1. mmmayssaaa says:

    Allah yer7am abouki marmousha. Ma fhemet esem nour? Sett fansa?

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s