كيف تتم صناعة الحب؟

الطاولة مستديرة والفرسان ستة، تصفير وقهقهات وحماس لا يخبت أبداً، يتجدد من موسم الى آخر. في مثل هذه الأيام، بداية العام الدراسي، والتحضيرات للعودة من شراء الكتب المدرسية إلى الحقائب والقرطاسية، منذ أكثر من عشرين عاماً، بدأت قصة حب ازدهرت على مر السنين و لا تزال جذورها متأصلة في قلوب أبطالها. عائلتي.

الكتب أولاً ثم القرطاسية لاحقاً، هكذا كانت طقوسنا. ينتظرنا والدي في السيارة كما تحضر والدتي لوائح الكتب، التي توضبها بأناقة تامة مع قلم تعلم أنها ستحتاجه فيما بعد، بينما نحضر أنا وإخوتي كتب العام السابق التي لاتزال في حالة جيدة لنتوجه إلى تلك المكتبة التي بقيت حتى يومنا هذا في شارع الراهبات، تبيع وتشتري الكتب المستعملة. صاحب المكتبة صديق قديم لأبي من أيام الطفولة وكان ينتقي لنا أفضل الكتب المستعملة التي كانت تبدو كالجديدة تماماً، وفاءً. في الوقت الذي كان الكبار مشغولون باحضار الكتب وترتيبها والتأكد من الطبعات المطلوبة، كنا- نحن- الصغار نقفز خارجاً، نتسابق على الرصيف، نمسك عامودا وندور حوله، مهما طال الوقت لم يكن يهم، كنا مستمتعين جداً. عندما لم تكن المكتبة مكتظة بالزبائن، كان صاحب المكتبة يضيفنا ببيسي (شربا ردا) أو جلول، وكان طعمها رائعاً مختلفاً عن كل الببسي الذي تعرفه.

كل هذا لم يكن يهمني فعلياً لأن الأهم هو مرحلة انتقاء القرطاسية. “مملكة الألعاب” هي دوماً مقصدنا وعمو “فاروق” كان صدره رحبا كوساعة محله وأكثر. لم يتأفف يوماً من طلباتنا التي لطالما تغيرت مراراً وتكراراً كلما اكتشفنا “محاية” على رائحة الفواكه أو “مسطرة” تلمع أو يسبح في داخلها سمك ونجوم. وبين دفاتر الخط خط والخط خطين والكارو، ودفاتر “الخمس الوان” للكبار واقلام ال “ستيلو”، كانت تدور معارك ومحاور ومفاوضات بيننا – نحن الاخوة- لجهة اختيار الشكل والنوع. دون أن ننسى طبعاً الرسمة على “التجليد” اللاصق الذي سيغلف كتبنا لاحقاً.

نهرع في العودة إلى المنزل للمهمة الأصعب والأهم في كل هذه التحضيرات: مرحلة تجليد الكتب. نتحلق كلنا حول الطاولة المستديرة على شرفة منزلنا ونتوزع المهام. الكبار (أنا وفرح) نمحي الكتابة القديمة والتسطير عن الكتب في روح تنافسية عالية! الرابح هو من ينهي كميات اكبر في وقت أقل، الصغار (نور وعبدالله) تارة يشجعوننا و طورا يلبون طلبات الوالد والوالدة. المهمة الأصعب والأكثر دقة هي من نصيب الوالدة والتي تقتصر على تجليد الكتب. مقص ومسطرة وذوق رفيع هي أدواتها، منتهى الدقة والاتقان والاحترافية في التجليد وهو فن لا يدرك صعوبته إلا من حاول وجرب. الوالد (رحمه الله) يستلم الكتب مجلدة ليضع عليها ملصقا، ثم يكتب بخطه الجميل أسماءنا. ثم تفرز هذه الكتب ليضعها كل في حقيبته، مع شعور لا يخلو من الانجاز والاستعداد لبدء العام الدراسي الجديد.

أحزن فعلاً عندما أرى الأهل هذه الأيام لا يعبؤن بهذه التفاصيل. يكفي أن تعطى لائحة الكتب المدرسية إلى مكتبة ما لتهتم باحضارها وتجليدها وحتى وضع الاسم عليها. ما هو دور الطفل من هذه العملية؟ لا شيء حقاً وهذا ما يؤثر نوعا ما على مزاج الطفل في عدم استعداده للعام الدراسي.

الحب يصنع بالمشاركة، هذه هي الوصفة السرية لترابط الأسر والألفة بين أفرادها. اذا أردت أن يحبك أولادك لا يكفي أن تعطيهم ما يحتاجون إليه، فهذا واجب، بل عليك بمشاركتهم في اتخاذ القرار مهما كان الامر بسيطاً. شاركهم ليشعروا بأهميتهم يقدروا ذاتهم، ليعلموا أن الحب غرسة تكبر في القلوب كلما تشاركنا وتقاسمنا أمورنا وهمومنا وأفراحنا. أذكر أننا كنا دائماً ننقسم الى فريقين في البيت لانجاز أي مهمة: فريق الماما وفريق البابا… حتى في الألعاب، لا توجد لعبة الا ولعبناها سوية كعائلة من “مونوبولي” و”سلم والحية” و “البرجيس” ولا تخلو هذه الالعاب التنافسية من ضحكات لا تزال صدى قهقهاتها يسمع في زوايا القلب. الحب هو أن تغمض عينيك ليعود لك شريط الذاكرة نابضاً بنغمات سحرية ترافقك مهما كبرت، لا تموت الا بموتك…

image

اخي عبدالله في أول يوم مدرسي له 💕

Advertisements

About Ymn

انا المرأة الزوبعة فقل للنخيل يطأطئ حتى أمرّ
This entry was posted in Love, Personal, بالعربي and tagged , . Bookmark the permalink.

3 Responses to كيف تتم صناعة الحب؟

  1. mmmayssaaa says:

    1- “i7tiramiyye” made me lol
    2- what about the etiquette?!
    3- i once ate a me77ayeh 3a shakel bouza w ree7ta tutti fruitti
    4- ma 3reftou la 3aboudeh!

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s