تُركيا جمعتنا

أن تلتقي بمن لم تعرفه قبلًا وتشعُر بالحنين والانتماء ليس ضربًا من الخيال، بل فرصة أنعم بها عليك القدر قد لا تكرر أبدًا. تجربة تهزّ كيانك فترى نفسك مجهشًا بالبكاء على فراق تعلم مسبقًا أنّه محتوم، وتبتسم رغم ذلك فلا تنكر سعادتك بلقياهم في نفس الوقت.
كم حفظنا من أشعار “محمود درويش” و “أحمد مطر”، كم عشقنا رسائل “غسّان كنفاني” إلى غادة السّمان”، كم طبعنا وحفرنا صورة “حنظلة” في ذاكرتنا، طفل “ناجي العلي” الذي لم يكبر…فلسطين أتتني مقبلة، والأقصى جاءني ممثلًا ب 5 شباب مقدسيين في ربيع العمر. تعرف في سيماهم معالم الاباء والمقاومة الحقّة… تُعجب بحديثهم وتطلّعاتهم فتتمنّى لو أنّك تأخذهم بالأحضان ولاتتركهم أبدًا.
كُحلٌ للعين هم. ورجالٌ تزهو تفخر بهم، يحملون همّ القضية وكرامة الأقصى التي هي كرامتهم، تُبهرك عزّة النفس التي يتحلّون بها رغم صغر سنّهم (16 سنة).

مع الشباب الفسطيني الله يحميهم

– ” لن أترك القدس وحيدة. لن أتركها لا للدراسة ولا للعمل. سأدرس في جامعتها. تحتاجُني”. قال لي “بشير” أحد الشباب المقدسيين.

التقيتُ الوفد الفلسطيني ضمن فعاليات مهرجان “خبز السلام” في تركيا. وكيف لنا أن نلتقِ غير هناك؟ تركيا استضافت في هذا المهرجان 12 دولة اسلامية لم يجمعها العرب يومًا! تشعُر بالازدراء من قوميتك وتريد لو أنك فقط تنتمي الى تلك الأمة الاسلامية الواحدة التي تضم الجميع!

– ” من كان من خارج القدس لا يمكنه أن يصلّي في المسجد الأقصى الا اذا كان عمره فوق الستين.” هذا ما أخبرني به أحمد…
سألوني عن أوضاع المخيمات في لبنان. سألوني ان كنت قد قابلت أحدا من القدس قبلًا. أخبرتهم بأن لا مقاومة سوى هم، وأن المخيمات تعجّ بأناس هم أشدّ البعد عن قضيتهم. أخبرتهم بأنني كنت دائما أقول بأن العيّنات التي عرفناها من فلسطين لا تمثل الفلسطينيين حقًا. أخبرتهم كم أنا سعيدة بأن أملي لم يخب بلقائهم وأنهم عند حُسن ظنّي بهم وأنني دائما ما أعول عليهم.

– ” الأقصى النا والبلاد بلادنااااا”… ويصدح ” عُبيدة” ذو الحنجرة الذهبية بالغناء. يُبكيني من صدق احساسه وقوّة وقع الكلمات التي يترنّم بها… “سوف نبقى هناااا… كي يزول الألم… سوف نحيا هنااااا… سوف يحلو النغم…”

“يوسف” و “عمر” وجهان ملائكيان يستمعان بصمت. يبتسمان بصمت. موجودون دائما. صامتون دوما. هؤلاء الشباب اتوا وحدهم الى اسطنبول. كانوا برفقة استاذهم عندما انطلقوا الى الأردن وانفصلوا عنه ليسافروا وحدهم بسبب تشابه في الأسماء، ليلحقهم بعد يومين. انسجام الوفدين كان طبيعيًا حتميًا مرنًا، وعلى الرغم من وجود وفود عربية أخرى، الا أن الطباع لم تنسجم ولا حتى العقلية أو الروحية، فأصبحنا نأكل سوية ونترافق في الباص سوية. “كريم” أيضا من الشباب الفلسطيني الواعد. كم شعرت بالأسف والحزن لحاله ولحال الفلسطينيين الذين يضطرون للمرور بمعبر رفح للسفر. “كريم” من غزّة أرض العزّة، يتابع دراسته في اسطنبول يتكلم التركية بطلاقة فكان خير عون لنا هناك لأن اللغة كانت الأمر الوحيد الذي يعيق التواصل مع الأتراك.

– ” يا اقصى ما انت وحيد… سيّجناك قلوبنا
عنك والله ما نحيد… انت سراج دروبنا
وسراجك زيت ودم… أبشر ولا تهتم
حريتك مطلوبناااااا”

ويعود لي صوت “عبيدة” رنانا مع المجموعة كلها…
… وحان وقت الفراق المحتوم. 8 أيام انقضت. غادرنا الفندق ليلا. نزلوا جميعهم مودعين. أذكر أن الجميع كان يبكي، وأن “منّة” و “زُهار” التركيتين الذين وقفوا أيضًا لوداعنا بكوا لبكائنا. شعرت أنني أودّع أهلي إلى أجل غير مسمّى. هل نلتقي مجددًا؟ أرسل بشير قائلًا:” اذكرونا بدعاء لا بكاء. موعدنا صلاة في الأقصى. انّ غدًا لناظره لقريب…”

حنظلة_يكتب

Advertisements

About Ymn

انا المرأة الزوبعة فقل للنخيل يطأطئ حتى أمرّ
This entry was posted in People, بالعربي and tagged , , , . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s