مؤسسة الضمان الاجتماعي: كارثة قومية اجتماعية

مبنى صندوق الضمان الاجتماعي

هل كُتب على جميع الدوائر الرسمية أن تكون بنكهة الذل و تُصبغ بالبؤس وتُخصص لإرهاق المواطن عوضًا عن أن تكون لخدمته؟ لماذا كُتب على المواطن أن يلهث خلف أبسط حقوقه في الضمان الصحّي والاستشفاء؟ ألا يُقتطع شهريًا من راتب كل موظف مبلغ يزداد مع ازدياد أساس هذا الراتب عبر السنين لتغطيته في حال احتاج الى ذلك؟

تجربتي الأولى في هذه المؤسسة كانت اليوم للحصول على موافقة متأخرة لوالدتي لدخول المستشفى. الحقيقة أنني كنت أهيئ نفسي لازدحام الناس خاصة وأن البارحة (الاثنين) كان عطلة رسمية وقبله (الأحد) أيضًا اجازة، لكن كثافة التواجد البشري فاقت توقعاتي، وشت بها روائح العرق المنبعثة التي استقبلتني فور وصولي! كان علي أولا أن أسلّم أوراق المستشفى مع هوية والدتي الى الموظفة المسؤولة لتعطيني رقمًا لمعاملتي، هذه كانت المهمّة الأولى التي كان علّي أيضا أن أنتظر بالصف لتتم: “101” هذا هو رقم معاملتي. رقم لطيف، هذا ما قلته لنفسي متفائلة… ستكون ميسّرة، هذا ما أقنعت نفسي به… و طال انتظاري طاااااااال!!!

أحدهم في الصف الطويل سألني عن رقم معاملتي، وعندما قلت له 101 ضحك مطوّلا باستهزاء وقال لي: عودي بعد غد! ولولا أنه كان يقف قبلي في الصف، لظننته يريد أن يأخذ دوري! ثمّ اكتشفت أن الأرقام لا تسلسل منطقي لها، لأن المعاملات المنجزة كانت ذات تدرج عشوائي، تنتقل من 10 مثلاً الى 74 بشكل سحري! إحدى المواطنات صاحبة روح مرحة رغم الموقف غير المريح الذي نحن فيه، قالت للموظّفة:” شووووو؟؟؟ شكلكن عم تخلصو المعاملات بالقرعة؟!”
“أنا في انتظارك ملّيت” ، واستخرجت منديلًا من حقيبتي. لا لأقلد الست أم كلثوم، بل محاولة منّي لشلّ حاسة الشم عندي… وبين الأمواج البشرية، رسيت على شط قريب من نافذة الخلاص! النافذة في الواجهة الزجاجية التي تفصل الموظفة عن مئات المواطنين الغاضبين المتأففين من طول انتظارهم. تُسمع بين الفينة والأخرى مع الزفرات “مسبّات” تعكس حدّتها مدى انزعاج مطلقها. البعض بدأ يطرق الزجاج كما ليذكّر الموظفة بوجوده، لتصرخ تلك الأخيرة من الداخل:”مين عم يخبط؟؟؟؟” وددت لو قلت لها “أبو أمين” لكني خفت أن تغتالني، وأنا أريد أن أنتهي من هذا الموضوع ولا أعود أبدًا.

كلّما وضعت الموظفة مجموعة من المعاملات وغابت لتجلب غيرها، استلم أقرب مواطن الى الشباك الأوراق دون علم الموظفة ويبدأ بتلاوة الأرقام. من كان رقمه ضمنا، كان من المحظوظين، فيستلم معاملته و يخرج الى الحريّة. وهكذا… الحقيقة لا تستطيع أن تلوم الواطنين رغم خطورة التصرف، وذلك لطول غياب الموظفة في الداخل، هذا أقصى ما يفعل لتخفيف الزحام وتحريك الأمور.
وعندما قاربت الساعة الواحدة ظهرًا، تطل هذه الموظفة رأسها لتزعق قائلة:” الموافقة المسبقة لبكرا، المؤخرة بس يضلو”. امتعض من امتعض واعترضت من اعترض وأنا رسمت ابتسامة بلهاء على وجهي….قلت في نفسي: “اسمها متأخرة مش مؤخرة! شو ما بدك سميّها بس خلصينا”! ساعتين ونصف من الانتظار من أجل ختمين، طابعين و توقيعين!

شكرًا لدولتنا العتيدة، ساعتين كانتا كفيلتين بافهامي ب”لا قيمتي” كمواطنة لبنانية. نصيحتي لكل من يذهب لانجاز معاملة في الضمان الاجتماعي: أحضروا معكم مناديل معطّرة، المحارم العادية لن تفي بالغرض فكلما ارتفعت حرارة الصيف، كلّما ازدادت الأمور سوءًا. البسوا حذاءً مريحًا. خذوا الأمور ببساطة، قليل من الوح المرحة تلطّف الجو و تهدّئ الجميع. و دمتم سالمين معافين من الأذى…

Advertisements

About Ymn

انا المرأة الزوبعة فقل للنخيل يطأطئ حتى أمرّ
This entry was posted in بالعربي and tagged . Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s