يا خالاتي يا حمام

كم كان يحلو السّهر في ليالي الصّيف على شرفة منزل الجدّة.غالباً ما كانت الكهرباء مقطوعة، وكان ضوء البلدية البرتقالي الذي يضيء شارع عزمي يجذب الجميع خارجاً الى الشرفة. لم أفهم يوماً سرّ سطوع هذا الضوء، بينما سكّان الشارع محرومون من الكهرباء غارقون بالعتمة في منازلهم. ثمّ أحببت تواطؤه غير المعلن مع رغبتي الشديدة لتحلّقنا أنا واخوتي حول أميّ وأبي فقط لننصت لأبي وهو يروي حكايات جدّتي رحمها الله. جدّتي كانت أميّة ولكنّها استطاعت أن تغرز أثر حكاياتها في نفس والدي الذي كان يستذكر أحداثها وكأنه يراها، ويصف مواقفها كأنه عاشها أو كان شاهداً عليها.

كم كنت أعشق تفاعل والدي مع القصّة التي يرويها. صوته الذي يرتفع حيناَ ويكاد يختفي أحياناَ… كم ضحكنا، خفنا، وبكينا، وصفّقنا لأبطال الرواية  الذين حفظنا رسمهم في خيالنا…ذكّرتني صورةٌ التقطها صديقي باحدى تلك القصص، ذكّرتني بالرّواية المفضّلة لديّ. الصّورة أطلقت الرصاصة على خزّان الذكريات، فرأيتني أستحضر القصّة بأحداثها وأبطالها، وقررت أن أشارككم بها:

” كان يا ما كان، في قديم الزمان، وسالف العصر والأوان، لحتّى كان… منحكي ولّا منّام؟؟؟ منحكي!!!!! كان هناك صبيّة حسناء توفّى أبواها ولها سبع إخوة، يعملون نهاراً ويعودون الى المنزل ليلاً. واستمرّ الحال هكذا لفترة من الزمن، الاّ أنّ محبة الناس لهذه الشّابة أجّج الغيرة في قلب الساحرة الشّريرة التي قررت ايذاءها للتخلص منها. وفي يومٍ من الأيام، تنكّرت الساحرة على شكل عجوز، ودقّت باب منزل الحسناء.

         أهلاً وسهلاً خالتي… تفضّلي وارتاحي… يبدو عليك التّعب…

         هل أجد عندك كوب ماءٍ يا ابنتي؟

         بالطّبع… وذهبت واحضرت لها ما طلبت..

         شكراً يا بنتي.. أنتِ لطيفةَ جداً… هل تسكنين وحدك هنا؟

         كلاّ لدي 7 اخوة ولكنّهم في العمل الآن.

         ما شاء الله 7 اخوة! حسناً اذاً، ارجو أن تقبلي منّي هذه الهديّة…. 7 ازواج من الجزم لاخوتك…

فرحت الحسناء كثيراً بهذه الهديّة، وعندما عاد اخوتها ليلاً، أخبرتهم بما حدث معها، وقرّروا أن يجرّبوا الأحذية صبيحة اليوم التالي قبل الذهاب الى العمل. وعند بزوغ الفجر، وما أن انتعل الأخوة الأحذية حتّى تحّولوا الى خراف!! وأخذت الحسناء تبكي بكاءً مريراً فقد خسرت جميع أحبّائها الآن، ولم يكن منها الّا أن قرّرت أن تصبح راعيةً للأغنام السبع، وخرجت بهم الى البرّية.

وهكذا مرّت الأيام والصّبية على هذه الحال. تنطلق عند انبلاج الضوء مع الخراف لرعايتهم، وتعود بهم الى المنزل ليلاً. وفي يومٍ من الأيام، قررت أن تأخذ غفوةً على الشجرة. لم تدرِ كم مرّ من الوقت وهي نائمة، ولكنّها استيقظت على وقع حوافر خيلٍ تقترب من مكانها. وخشيت ان يكون من قطّاع الطّرق، فتسلّقت أعلى الشجرة وأخذت تراقب ما يحدث. تنبّهت الفرس الى مكانها فجفلت، وعبثاً حاول الفارس أن يهدّئ من روعها، فلم يستطع… التفت الى مصدر ذعر الفرس، فتنبّه لوجود كائن على الشّجرة. فاستلّ سيفه وشهره صارخاً:

         أنت انس أم جن؟؟ كررها أكثر من مرّة، حتى اضطرّت الحسناء للنزول والاجابة على سؤال الفارس الذي تبيّن أنّه أمير المدينة. أُعجب الأمير بالحسناء وعرض عليها الزواج بعد أن أخبرته عن قصّتها، فقبلت شرط مرافقة اخوتها الخراف للعيش معها في القصر.

وبالفعل تزوجّت الحسناء بأمير المدينة وانتقلت للعيش في القصر وأنجبت منه طفلاً جميلاً. كبر هذا الطفل حتى بلغ عامه الرابع، وكان والده يأخذه معه في جولاته في أسواق المدينة. وسرعان ما تناقل الناس خبر الحسناء التي عوّضها الله عن أحزانها بأمير المدينة و طفلٍ جماله يأخذ الألباب. استشاطت الساحرة الشمطاء غضباَ عندما علمت أنّ مكائدها السابقة للتخلص من الحسناء وتدميرها باءت بالفشل، فأخذت تخطط لجولة أخرى وخطّة أكثر احكاماً تتخلص بموجبها من الصبية الى الأبد، وأخذت تتحيّن الفرص. الى أن علمت بموعد حمّام الأميرة الأسبوعي في السوق.

         سبحارتنا… سبحارتكن… شو جابنا لحارتكن.. استمرّت الساحرة بترديد هذه الجملة ودخلت الحمام عل أنّها الماشطة. سبحارتنا… سبحارتكن… شو جابنا لحارتكن.. سبحارتنا… سبحارتكن… شو جابنا لحارتكن.. وأخذت بتمشيط شعر الأميرة، سبحارتنا… سبحارتكن… شو جابنا لحارتكن.. كانت تقولها وتغرز بعدها دبّوساُ في رأس الأميرة التي كانت تنتفض في كل مرّة وتختلق لها السّاحرة أعذاراً… سبحارتنا… سبحارتكن… شو جابنا لحارتكن.. سبحارتنا… سبحارتكن… شو جابنا لحارتكن.. سبحارتنا… سبحارتكن… شو جابنا لحارتكن.. حتّى غرزت الساحرة الدّبوس السابع في رأس الأميرة التي تحوّلت فوراً الى حمامة بيضاء جميلة فرّت بعيداً هاربةً مع سرب حمام مرّ بالصدفة.

حوّلت الساحرة نفسها الى الأميرة وقد أخذتها نشوة الانتصار ناسيةً أمر الحمامة الهاربة، وانتقلت للعيش في القصر مكانها. للأسف، استطاعت خداع الجميع، حتى الأمير لم يتنبّه أن هذه الساحرة ليست زوجته، وحده الطفل ذي الأعوام الأربع كان يبكي بكاءً مراً وهو على يقين بأنّ هذه المرأة ليست والدته. لم يكن هذا الطفل يتوقّف عن البكاء الاّ عصراً، يخرج الى حديقة القصر ويظل يرنو الى السماء، حتى يلوح له سرب حمام طائر، فيستوقفهم سائلاً:

         يا خالاتي يا حمام… أميّ ورا ولّا قدّام؟؟؟

         أمّك ورا ورا… بتبكي عللّي جرى… بتبكي عسبع كبوش وعالطّفل الزغيّرا…

فينفجر الطفل بالبكاء مجدداً، حتّى تأتي حمامة ناصعة البياض، ترفرف على كتفيه وعلى وجهه محاولة تهدئة روعه فيحاول ان يلتقطها عبثاً، فتتركه مع أحزانه وتطير بعيداً. وبعد مرور بضعة أياّم، لاحظ الأمير حزن ابنه الذي لم يجد له مبرراً فقرر أن يراقبه لعلّه يكتشف سبب تعاسة هذا الطفل.

وفي اليوم التالي، لحق الأمير ابنه الى الحديقة عصراً، وسمعه يخاطب سرب الحمام الطائر:

 –         يا خالاتي يا حمام… أميّ ورا ولّا قدّام؟؟؟

         أمّك ورا ورا… بتبكي عللّي جرى… بتبكي عسبع كبوش وعالطّفل الزغيّرا…

ويبدأ الصغير بالبكاء، فتأتي الحمامة الحنون لترفرف حوله فيهدأ الطفل، وعندما همّت بالطيران، القى عليها الأمير شبكة الصيد التي كانت بحوزته والتقطها!! أخذ الأمير يملّس ريش هذه الحمامة التي لم ير أجمل منها قبلاً، فوقع بيده دبّوس! واستمرّ بالمسح على ريشها حتى وقع منها سبع دبابيس، وانتفضت بين يديه لتعود الى هيئتها الأصلية، زوجته الحسناء!! ذعر الأمير عند رؤيتها، أماّ الابن فقد عانق أمّه بشوق وانقضّت هي تقبّله… وهنا فهم الأمير الخدعة وقرّر التخلص من الساحرة والانتقام لزوجته، فقطع رأسها وفصله عن جسدها، وليشفي غليل زوجته، حوّل عظام الساحرة الى سلّم لايزال يُسمع صريره كلّما استعمله أحد. وبموت الساحرة عاد الأخوة الى طبيعتهم البشرية وعاشوا جميعهم سعداء. وتوتة توتة.. خلصت الحتوتة.”

لا أزال حتى اليوم، كلّما رأيت سرب حمام طائر أتخيل أنني أسمع المناجاة الحزينة:” يا خالاتي يا حمام… أميّ ورا ولّا قدّام؟؟؟ أمّك ورا ورا… بتبكي عللّي جرى… بتبكي عسبع كبوش وعالطّفل الزغيّرا…” وأمسح دمعة أتقن اخفاءها على طفولتي التي مضت، التي احاول عبثاً استبقاءها فتهرب مني كالحمامة البيضاء ولا تعود أبدا… جدّتي كانت تحكي القصص لوالدي، ووالدي حكاها لأولاده، وأنا أكتبها خوفاً عليها من الضياع، لا لقيمتها الأدبية، بل لقيمتها المعنوية التي جعلتها تتربع على عرش قلبي، وترتفع مكانتها كلّما تقدّم زيف الزمن وكلّما ازداد هجر الناس للألفة والروابط الانسانية بينهم… هل يقرأ أولادي القصّة يوماً ما؟ هل سيُحبّونها مثلما أحببتها أنا؟ أتساءل دائماً…

Image 

 

 

Advertisements

About Ymn

انا المرأة الزوبعة فقل للنخيل يطأطئ حتى أمرّ
This entry was posted in Personal, Stories, بالعربي and tagged , , , , , , , , . Bookmark the permalink.

6 Responses to يا خالاتي يا حمام

  1. Soha says:

    Amazing one. very touchy 🙂

  2. Ali Maher says:

    رائعة جدآ .. عبقرية فى السرد 🙂

  3. jojo says:

    روعه

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s