العربية تليق بك

لم يمضِ على قراءتي لعزازيل أكثر من أسبوعين كنت خلالها أدوّن العبارات التي أعجبتني في دفتر خاص، أناقش الكتاب وأحلّله،أٌُشرّحهٌ وأٌقلّبه وأستذكر مواقفه، تارّة مع فرح التي أنهت قراءة الكتاب قبلي بزمن، وطورا” مع أحمد الذي، رغم أنني من اقترحت عليه قراءة الكتاب، الّا أنه حثّني وأعطاني دافعا” لانهائه فقد سبقني بقراءته، ولو تُركت لسرعتي المعهودة بالقراءة لما أنهيته حتى الآن!

لم يكن ليخطر ببالي صبيحة البارحة أنّ المفاجأة التي أعدّتها لنا نور ستكون مرتبطة بأي شكل من الأشكال بيوسف زيدان أو عزازيل، فنحن منذ يومين واقعون في الأسر والتعطيل القسري عن جميع أشكال الحياة اليومية. أي شيئ كان سيفرحني! بطاقة الدعوة أعلنت حضور الدكتور يوسف زيدان، الكاتب والباحث المصري في مناظرة حول بعض أعماله في بيت الفن الذي يقع حوالي ال 20 خطوة بعيدا” عن منزلي. من فرط حماسي عرّجت عليهم لأؤكد حضوري، وحجزت ل 3 أشخاص. ابتسم المسؤول ساخراً:”ايه ما رح سجّل أسماء… ان شاء الله تنملى القاعة!”فكّرت كثيراَ في ما قال… معه حق! ان كنّا قد اعتدنا على أمرٍ غير اعتيادي، نحن سكّان طرابلس الجريحة، فما ذنب الواردين اليها؟ هل سيأتي د. زيدان أم يعتذر في الدقائق الأخيرة نظراً للظروف الأمنية؟

الساعة السادسة والنصف، نزلنا واطمأننت لرؤية الجموع تأتي تباعاَ من شرفة منزلنا منذ الساعة السادسة. عندما دخلنا القاعة، اذهلتني الأعداد الغفيرة التي لكثرتها، لم نجد مكاناَ سوى في الصّف الأخير. كان الدكتور جان توما يدير الحوار، والحقيقة أنّ مداخلتيّ النقيب رشيد درباس والأستاذ مارون عيسى الخوري كانتا مميزتان، الاّ أنّ رتابة الصّوت في القراءة جعلتني أشرد قليلاً لأتفقّد الجمهور الحاضر فهنا أستاذي العزيز سعدالدين شلق، وهناك المحامي محمد الجسر والسّيدة ندى ميقاتي. العديد من الوجوه الشّمالية المعروفة لاهتمامها بالثقافة. لمحت د. زيدان يُشعل سيجارة و يرتشف فنجان القهوة الثاني في هذه الجلسة. أتساءل، هل ترتبط  السيجارة بالابداع؟

IMG-20130520-WA0017

أن تقرأ شخصاً وتعجب بأسلوبه شيء، وأن تسمعه وتكون في حضوره منصتاٌ أمرٌ مختلف تماماً. فإنّ الكتابة وان أعطت نفحة من شخصية الكاتب، فإن حضوره هو ما يؤكّد أو ينفي أي صفة كنت قد أسقطتها عليه… د. زيدان يفهم أصول الخطابة لذلك أبى الا أن يتوجّه للحضور واقفاً ينظر في عيون الجميع حتّى ظنّ كل شخص من الموجودين أنه يتوجّه اليه بالحديث دوناً عن سواه من الناس. قبل أن يبدأ أخبرنا بقصّة ظريفة حصل فوراً من بعدها على اهتمام الجميع. منتهى الذكاء القيادي. يحدّثك بصوت منخفض ونبرة غير موتورة، فيشعرك بكل كلمة يقولها و يعيش اضطراباتها. اذا تبسّم ظننت أن الكلمات ترقص فرحاً، تسقط رنّانة بالفصحى طوراً، و باللّهجة العاميّة المصرية المحببة طوراً آخر.

عنوان المحاضرة كان “أشكال الابداع الروائي” وقد تكلّم عن حدّ الابداع. قال حرفياً: حدّ لا يعني limitation، بل definition! باختصار، أوّل حدّ: 1- هي اللغة. اللغة تراثك مش تاريخك.2- الفكر والفلسفة، فكل نص أدبي يجب أن يبني فكراً أو يتبنّى فلسفة ما وإلاّ يصبح مجرّد (حواديت) لا أكثر. 3- بنية العمل الأدبي: يجب أن تعيش حالة الشخصية التي تكتب عنها وعن المحيط الذي ارتضيته لها فلا يمكنك أن تكون جالساً في مقهى جميل وأنت تصف حالة سجين وراء القضبان. أن تعيش المكان يعطي شخصياتك حياةً واقعية.

انتهت المحاضرة، وقبل أن ينفضّ الجمع، ومن ضمن الاستطرادات التي قام بها د.زيدان أنّه نظر الينا وأشار قائلاً: “لأجل الناس في الصّف الورّاني أكتب”. صفّقنا بحماس قبل أن أدرك لمَ قال ذلك، ثمّ نظرت حولي لأجد بأننا أصغر الموجودين. انّه يكتب للشباب…

قررنا أن لا نبقى في حفل الكوكتيل، وظللت أنتظر خروجه من القاعة حتى أسأله سؤالاً عنّ على بالي لا يمكن لأحد غيره أن يجيبني عنه.

–         د.زيدان، ممكن سؤال من فضلك؟

–         سؤالين. أجاب باسماً.

–          كل شخصيات عزازيل واقعيّة، الاّ واحدة وهي نسطور.

كنّا في طريقنا لخارج القاعة، فتوقّف مستغرباً: نسطور حقيقي وكذلك تيودور المصّيصي و هيباتيّا… وحدها أوكتافيا خياليّة.

–         أقصد، يمكننا اسقاط جميع الشخصيات على أناس حقيقيين في زمننا ما عدا نسطور. هل حدث وأن قابلت نسطوراً في حياتك؟

هنا ابتسم قليلاً ثمّ عقد حاجبيه قائلاً: أقرب شخص لنسطور هو مطران حلب للسريان الأرثوذوكس مار غريغوريوس يوحنّا ابراهيم المخطوف.. و قال ايه؟ الشيشان خاطفاه! تعرفيه؟

–         لأ.

–         انت لبنانية ولا سورية؟

–         لبنانية.

–         أنصحك تعملي بحث عنه.

–         ممكن صورة د.زيدان؟

–         صورتين

وخلال التقاط  الصورة سألني: انت بتدرسي ايه؟ (ظنّ أنّي تلميذة). قلت له لأ أنا عندي أدب انكليزي وأعمل كناظرة.

–    ناظرة؟!! يعني ايه ناظرة؟؟!! يعني بيبقى في مجموعة مدرّسين وانت مسؤولة عليهم؟ طب ازّاي؟؟ ستّ الناظرة؟؟!!!

ضحكنا جميعاً، ثمّ استأذنّا لأن الجموع الغفيرة بدأت بالتّدفق حوله وكلّ يريده على حدى. خلال قراءتي لعزازيل، انتابني شعور بأنّ يوسف زيدان هو نفسه الراهب هيبا، وبعد لقائي به أكاد أجزم أنّه هو.

IMG-20130520-WA0021

طرابلس البارحة لبست ثوباً كانت قد أجبرت على اهماله مؤخراً. ثوب الثقافة والانفتاح التي تزدهي فيه مدينة العلم والعلماء، فكأنّ قاعة بيت الفنّ قد سرقت من هذا الزّمن الرديئ الذي يأسرنا هذا اللقاء الحضاري بامتياز.

أختم بتساؤل ورد على لسان هيبا. سؤالي للثكلى طرابلس: ” لو صرخت بكل ما في القلب من ألم، فهل يصل الصوت أم يصل الموت، أم يُصلينا الفوتُ الدائمُ و الأحزان؟”

 

Advertisements

About Ymn

انا المرأة الزوبعة فقل للنخيل يطأطئ حتى أمرّ
This entry was posted in Events, People, Tripoli, بالعربي and tagged , , , , , , . Bookmark the permalink.

4 Responses to العربية تليق بك

  1. Rabih kabbara says:

    عزيزتي ميمي
    كتابة رائعة و اسلوب مشوق ، كم تمنيت لو كنت موجودا لمشاركتم بهكذا لقاء شيق
    على امل تنامي اللقاءات الثقافية و ازدياد الوعي الثقافي في مدينتنا الحبيبة بعيدا عن الحروب و النزاعات

  2. ibooky says:

    اسلوبك ممتاز ، كل تحياتي وإعجابي لكي.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s