ثرثرة رمضانيّة طرابلسية

يحلو لي في رمضان التّجول في سوق الخضار لما يرافق هذا الشهر من حركة غير اعتيادية فيكثر باعة العصير في الطرقات وتبدو الخضار أشهى من ذي قبل، لذلك عندما عرض عليّ والديّ مرافقتهما الى السوق لم أتردد لحظة في ذلك، لكننا قررنا الذهاب بالسيّارة بسبب اشتداد الحرّ.

أخذنا الطريق البحري و قد استفزّني وجود الدبّابات وحواجز اسمنتية عالية للجيش اللبناني على كورنيش الميناء، المنفذ الوحيد لأهالي هذه المدينة. وفي متاهات المنطق المفقود، يعود السبب في هذا الانتشار لمنع تهريب السلاح بحريا”. أشحت بنظري بعيدا” الى مدخل السوق الذي ما ان تدخله حتى تستوقفك رائحة الخل المنبعثة من كميّات هائلة من المخلل المكشوف للعيان بألوانه المختلفة، ولا أدري حقا” ما يعزز تلك الرائحة أتراه لأن الخيار واللفت وأقرانهما قبعوا عاما” كاملا” في ظلمة البرميل في انتظار نور الحرّية في رمضان أم أن حرارة الجو وارتفاعها ما يسبب ذلك؟

شدّني منظر طفل لم يتجاوز السابعة من العمر يحمل بكلتا يديه سندويشا” كأنه جثمان يستعد لدفنه. قبّله ثم وضعه على جبينه واتّجه الى باب لبيت شبه مهجور ووضعه تحت افريزه. أتساءل ان كان تركه لشخص ليجده لاحقا” أم لقطّة مثلا”؟ هل هو بقايا سحوره الذي لم ينهه أم أنه وجده على الأرض؟ أشك في الاحتمال الأخير لأن كل ما حولي يدلّ على عكسه. السوق شبه خالِ، الخضار وصلت لأسعار خيالية، صحن الفتوش أصبح للميسورين فقط.

هناك موجة حزن و بؤس تلفّ المدينة، موجة عاتية تصفعك على وجهك مهما كنت متفائلا”. الناس ترزح تحت ضغوطات عدّة وقد كثرت عليها الجبهات الداخلية والخارجية، الاقتصادية، السياسية والاجتماعية. حتى أطفال مدينتي هرموا قبل الأوان فلم تعد تسمع ضجيج ضحكتهم و تدافعهم في الأسواق. كثير ينطبق عليهم قوله تعالى (يَحْسَبُهُمُ الْجَاْهِلُ أَغْنِيَاْءَ مِنَ الْتَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيْمَاْهُمْ لاَ يَسْأَلُوْنَ النَّاْسَ إِلْحَاْفاً) و أسوأ ما في الأمر كله هو العجز الجماعي الذي تأصّل في النفوس حتى تساوى باللامبالاة.

الى متى؟ هو لسان حال الجميع في طرابلس وها نحن في حالة انتظار أبدية لعلّ الفرج قريب…

رمضان كريم

مدخل سوق الخضار- الميناء

 

Advertisements

About Ymn

انا المرأة الزوبعة فقل للنخيل يطأطئ حتى أمرّ
This entry was posted in Personal, Tripoli, بالعربي and tagged , . Bookmark the permalink.

2 Responses to ثرثرة رمضانيّة طرابلسية

  1. Nath says:

    Too bad there isn’t any photography tips to introduce here, what’s even worse is that the whole ambiance here in Mina and in Tripoli is utterly close to what you wrote up there. There was no exaggeration when you said “صحن الفتوش أصبح للميسورين فقط”. B7ess ma fina n2oul gher allah yestor…

  2. Farah says:

    I only feel sad that the kids today do not have sweet memories to compare these days to… this is the Ramadan they know.. At least we had good days 😦

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s